نخبة من الأكاديميين

505

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

فالمراد بالقيم ليس تلك التي يؤدي إليها المصطلح اللفظي ( أي الأشياء التي يقومها الإنسان ويحترمها ، بل المراد بها معنى أدق وهو ( الأمور التي ينطلق الإنسان من ذاته أو من ركائز إعتقاداته ليعطيها قيماً معنوية مطلقة تؤثر من خلالها في كل مسيرته الحياتية ) . وبهذا يمكن القول إن دور الإيمان ، أو عدم الإيمان بهذه القيم كبير جداً في الحياة الحضارية للإنسان . بل يمكن قياس مدى تحضر أي مجتمع بمدى سمو قيمه المطلقة التي يؤمن بها . فإذا فقد المجتمع الإيمان بقيم مطلقة ، فهو سوف يفقد صفته الإنسانية لا محالة ، لأن هذه الصفة كما سنبين ذلك تلازم هذا الإيمان ، وبالتالي لا يعود الإنسان قادراً على التعامل مع الواقع ، ولا على الابداع في تطويره ، لأنه لايمتلك أية صورة عن منطلقه ، ولا عن مصيره ، ولا عن معالم ثابتة في مسيرته بين ( المبتدأ ) و ( المنتهى ) ، فلا يملك من بعد أية روابط تنظم حركته وتربطها بالكون والوجود ، وإنما يغدو هائماً في عشوائية وهباء . ومن هنا نجده يطلق لذاتيته العنان ، دونما رادع . فعدم الإيمان بالمطلق من أكبر علل الحراب الذاتي والاجتماعي . كما أن الايمان ب - ( القيم الوهمية ، أو النسبية ) لا يقل تدميراً لحياة الإنسان عن حالة عدم الإيمان بأية قيم . ذلك أن هذا الإيمان - كما يعبر الامام الصدر ( يصبح سبباً في تطويق حركة الإنسان وتجميد قدراتها على التطور والإبداع ، وإقعاد الإنسان عن دوره الطبيعي المفتوح في المسيرة ( ( لا تجعل مع الله إلهاً آخر ، فتقعد مذموماً مخذولًا ) ) . « 1 » وهذه حقيقة صادقة على كل الآلهة التي صنعها الإنسان عبر التاريخ ، سواء ما صنعه الإنسان في المرحلة الوثنية من العبادة ، أو في المراحل التالية ، فمن القبيلة إلى العلم نجد سلسلة من الآلهة التي أعاقت الإنسان ، بتأليهها والتعامل معها كمطلق ، عن التقدم الصالح ) . « 2 » كيفما عرفنا الحضارة فيجب أن نقر نقر بأن الصفة الإنسانية - بمعنى : امتلاك الاتجاه العام لخدمة الإنسان وتطوير إمكاناته الذاتية والعرضية ، هي أهم مقومات الحضارة بلا ريب . ولا يمكن أن يتسم أي مذهب ، أو توجه ، أو أي سلوك بالسمة الحضارية إلا إذا اتسم بالصفة الإنسانية . والصفة الإنسانية ، عبر إدراكات الوجدان ، وبلا حاجة إلى استدلال ، تلازم الإيمان بمجموعة من القيم المطلقة والمشتركة ، فلا يمكن أن نفترض النسبية في كل شيء ، ثم نفترض وجود خصائص إنسانية لأن ذلك يستبطن نوعاً من التناقض : فالاعتراف : من جهة بأن الإنسان له هويته المتفردة جزئياً أو كلياً ، ورفض أي تميز إنساني أو قيمة ثابتة فيه من جهة أخرى ، هو تناقض واضح . فما هي هذه السمة الثابتة المميزة ؟ إن الجواب الوجداني ( ونؤكد على وجدانيته لأن ذلك يغنينا عن الاستدلال ) ، هو : الفطرة الإنسانية . والمقصود بالفطرة هو أن الإنسان مخلوق إلهي أودعت الحكمة الإلهية في وجوده وطينته الأصلية

--> ( 1 ) - الإسراء : 22 . ( 2 ) - الفتاوى الواضحة ، ص 754 طبعة قم ، إيران .